علي بن محمد البغدادي الماوردي

195

النكت والعيون تفسير الماوردى

قوله تعالى : فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا فإن قيل : فهل للإيمان مثل لا يكون إيمانا ؟ قيل معنى الكلام : فإن آمنوا مثل إيمانكم ، وصدّقوا مثل تصديقكم فقد اهتدوا ، وهذا هو معنى القراءة وإن خالف المصحف . وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ يعني في مشاقة وعداوة ، وأصل الشّقاق البعد ، من قولهم قد أخذ فلان في شقّ ، وفلان في شقّ آخر ، إذا تباعدوا . وكذلك قيل للخارج عن الجماعة ، قد شقّ عصا المسلمين لبعده عنهم . قوله تعالى : صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً فيه تأويلان : أحدهما : معناه دين اللّه ، وهذا قول قتادة . وسبب ذلك أن النصارى كانوا يصبغون أولادهم « 249 » في ماء لهم ، ويقولون هذا تطهير لهم كالختان ، فرد اللّه تعالى ذلك عليهم بأن قال : صِبْغَةَ اللَّهِ أي صبغة اللّه أحسن صبغة ، وهي الإسلام « 250 » . والثاني : أن صبغة اللّه ، هي خلقة اللّه ، وهذا قول مجاهد . فإن كانت الصبغة هي الدين ، فإنما سمّي الدين صبغة ، لظهوره على صاحبه ، كظهور الصّبغ على الثوب ، وإن كانت هي الخلقة فلإحداثه كإحداث اللون على الثوب .

--> ( 249 ) وهذه من عادات النصارى التي يزعمون أنها من دينهم وتسمى التعميد حيث يعمّدون أطفالهم بعد سبعة أيام من ولادتهم في حوض به ماء زعما منهم أنهم بذلك صاروا نصارى وكل هذا كفر وضلال والعياذ باللّه . ( 250 ) قال الحافظ : صبغة بالنصب وهو مصدر انتصب عن قوله ونحن له مسلمون على الأرجح وقيل منصوب على الإفراد أي الزموا وكأن لفظ صبغة ورد بطريق المشاكلة لأن النصارى كانوا يغمسون من ولد منهم في ماء معموديّة ويزعمون أنهم يطهرونهم بذلك فقيل للمسلمين الزموا صبغة اللّه فإنها أظهر ( 8 / 161 ) الفتح .